تنفس العالم الصعداء، وتوقفت نبضات كرة القدم لبرهة من الزمن. لم تكن هذه مجرد صافرة نهاية لمباراة عابرة، بل كانت صافرة النهاية للحكاية الدولية الأكثر سحراً وإلهاماً في تاريخ المستطيل الأخضر. بإعلان الأسطورة الأرجنتيني ليونيل ​ميسي​ اعتزاله اللعب دولياً مع منتخب بلاده (في الشهر نفسه الذي ظهر فيه مع المنتخب رسميا للمرة الأولى)، لم يفقد قميص "الألبيسيليستي" رقمه "10" التاريخي فحسب، بل فقدت كرة القدم عبقرية فريدة وروحاً ملهمة حركت مشاعر الملايين على مدار عقدين من الزمن. يرحل "البرغوث" تاركاً خلفه ملاعب شهدت على معجزاته، وفراغاً موحشاً سيكون من الصعب على أي موهبة قادمة أن تسده، لتنطوي بذلك الحقبة الأجمل في تاريخ الكرة الحديثة، حقبة كان فيها ميسي مرادفاً للبهجة المتناهية وسيداً غير متوج للأحلام الإنسانية، باعتراف كل من يحب كرة القدم اكان من مؤيديه ام لا.

هذه المرة ليست كسابقتها، لانها حقيقية ولا رجعة عنها. وللتذكير، فإنه بعد خسارة نهائي كوبا أميركا 2016 أمام تشيلي، أعلن ميسي اعتزاله اللعب دولياً في لحظة إحباط عميقة. لكن ذلك القرار لم يدم طويلاً، إذ عاد عن اعتزاله بعد أسابيع، ليواصل الدفاع عن قميص بلاده، ويبدأ تدريجياً رحلة التعويض التي قادته في النهاية إلى المجد القاري والعالمي.

حصن الخصوصية وفاجعة الرحيل

خلف هذه النجومية المميزة التي جابت الأرض، عاش ليونيل ميسي حياة موازية شديدة الانضباط، ونجح في إبقاء انوار النجومية بعيدة عن حياته الخاصة والعائلية، وهو امر ليس من السهل تحقيقه، خصوصاً في عالمنا اليوم، حيث تقتحم منصات التواصل ووسائل الإعلام أدق تفاصيل حياة المشاهير. نجح ميسي في إبقاء عائلته الصغيرة بمنأى تماماً عن الصخب و"عطش" الكاميرات. هذا الاستقرار العاطفي النادر في عالم الشهرة يعود بالدرجة الأولى إلى قصة الحب الأسطورية والإخلاص المطلق لزوجته وشريكة عمره "أنتونيلا روكوزو"، الفتاة التي رافقته منذ الطفولة الباكرة في أزقة مدينة روزاريو، وظلت ملجأه الآمن وملاذه من قسوة النقد وصدمات الفشل، ومرجعه الأمين للنجاح على حد سواء.

وفي عمق هذه المنظومة العائلية، برز دور الرجل الذي صاغ مسيرة الأسطورة: والده ووكيل أعماله الراحل، خورخي ميسي، الذي لم يكن مجرد مدير للمفاوضات أو العقود، بل كان العقل المدبر، والحامي، والبوصلة التي توجّه خطى الابن في مسيرته المعقدة. ولا شك ان رحيل خورخي الصادم في شهر آب الفائت (مع نهائي المونديال 2026)، شكّل فاجعة إنسانية هزت كيان "ليو" من الجذور، واعاقت رغبة الاستمرار في الركض دولياً، حيث اقتنع بأن الوقت قد حان لتعليق حذائه الدولي.

من البداية الكارثية إلى قمة التاريخ

بالعودة إلى المستطيل الأخضر، بدأت حكاية ميسي مع "التانغو" الأرجنتيني في 17 من آب عام 2005، في مباراة ودية ضد المجر. كانت بداية دراماتيكية غريبة الأطوار، حيث شارك هذا الفتى النحيل كبديل في الشوط الثاني، ولم تمر سوى 43 ثانية فقط على دخوله حتى أشهر الحكم في وجهه بطاقة حمراء طردته من الملعب إثر احتكاك مع مدافع مجري. تلك الدموع الساخنة التي ذرفها "ليو" في غرفة تبديل الملابس آنذاك، لم تكن سوى الوقود الذي أشعل مسيرة دولية استثنائية امتدت لنحو 21 عاماً، خاض خلالها 207 مباراة دولية، وتربع بها على عرش الهداف التاريخي لبلاده وللقارة اللاتينية بأكملها برصيد 125 هدفاً، وحفر اسمه في سجل التاريخ.

تميزت هذه الرحلة الطويلة بتقلبات تراجيدية قاسية. ففي بداياته، عانى ميسي من مقارنات ظالمة ومستمرة مع الأسطورة الراحل دييغو مارادونا، وتجرأ البعض على اتهامه بغياب "الروح والوطنية" لكونه لم يحقق ألقاباً كبرى في البداية مع المنتخب الأول. تجرع "ليو" مرارة الإخفاق في نهائي كأس العالم 2014 ب​البرازيل​ أمام ألمانيا بهدف قاتل في الأشواط الإضافية، تلاها خسارة نهائيين متتاليين في كوبا أميركا (2015 و2016) بركلات الترجيح أمام تشيلي. عقب نهائي 2016، وضعت الضغوط النفسية الهائلة والانتقادات الجارحة حداً لملحمته، فأعلن اعتزاله الدولي الأول باكياً ومحطماً بقوله: "المنتخب انتهى بالنسبة لي".

القيادة الملهمة والعبور إلى المجد

لكن روحية اللعب المعجزة والمعنويات الفولاذية التي يمتلكها ميسي، مدفوعة بحب جارف لقميص بلاده، جعلته يتراجع عن القرار ليقود عملية بناء ثورية للمنتخب. تجلت عبقرية ميسي القيادية في مباريات تاريخية حبست الأنفاس، مثل "الهاتريك" الإعجازي في شباك الإكوادور الذي أهّل الأرجنتين لمونديال 2018 في اللحظات الأخيرة من التصفيات.

ومع تولي المدرب ​ليونيل سكالوني​ القيادة، تحول ميسي من مجرد هداف استثنائي، إلى "الأب الروحي" لجيل شاب مستعد للذهاب حتى النهاية رياضياً من أجل قائده. برزت معنوياته العالية وتمريراته الحاسمة الإعجازية (مثل تمريرته الأسطورية لناهويل مولينا ضد هولندا في مونديال 2022) لتقود الأرجنتين لكسر عقدة غياب الألقاب التي استمرت 28 عاماً، فرفع كأس كوبا أميركا 2021 في قلب ملعب الماراكانا التاريخي بالبرازيل.

ولم تكن تلك إلا المقدمة؛ إذ أعاد الكرة الإقليمية عام 2024، ثم بلغ ذروة المجد الكروي في كأس العالم بقطر 2022، حيث سجل 7 أهداف وحصد جائزة أفضل لاعب في البطولة، متوجاً بلاده باللقب الثالث في تاريخها في واحدة من أعظم المباريات النهائية عبر العصور ضد فرنسا، ليثبت للعالم أجمع أن الإرادة والعزيمة، متى ما اقترنتا بالعبقرية، قادرتان على تطويع المستحيل وإعادة كتابة الأقدار الرياضية.

(نهاية الجزء الأول)