لم يعد لاعب الوسط في الدوري الإنكليزي الممتاز مجرد لاعب مهم في منظومة الفريق، بل أصبح سلعة باهظة الثمن. وفي صيف 2026، وصلت أسعار لاعبي الوسط إلى مستويات قياسية، رغم أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل تعكس هذه الأسعار فعلا جودة المواهب التي تستقطبها أندية الدوري الأقوى ماليا في العالم؟
شهد الصيف انتقال إنزو فرنانديز وساندرو تونالي في صفقتين ضخمتين، لكن هل يمكن وضعهما في خانة واحدة مع أساطير خط الوسط الذين صنعوا تاريخ الدوري الإنكليزي الممتاز؟
ربما يكون الأمر الوحيد الذي تحتاج فعلا إلى معرفته عن دور لاعب الوسط الحديث هو أن إنزو ماريسكا يرى أن مارك غويهي قادر على أداء هذا الدور بشكل أفضل من ماتيو كوفاسيتش. وقد بدأ غويهي الموسم في خط وسط مانشستر سيتي متقدما في الحسابات على كوفاسيتش، ونيكو غونزاليس الذي رحل عن الفريق، وماتيوس نونيز.
ترجمة صحيفة "السبورت" الالكترونية
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى صفقة تعاقد مانشستر سيتي مع إنزو فرنانديز من زاويتين: إما أنها تعبير واضح عن الطموح والجدية، أو أنها مبلغ ضخم يدفع مقابل لاعب قد يجد نفسه بديلا لغويهي.
فرنانديز ينتمي إلى نوع مختلف تماما من لاعبي الوسط مقارنة بغويهي، ببساطة لأنه لاعب وسط حقيقي. إنه لاعب متعدد المهام، يستطيع استلام الكرة من المناطق المتأخرة، وتدويرها أو نقلها إلى الأمام في المساحات الضيقة، والتقدم نحو الثلث الأخير بصفته لاعب وسط "رقم 8"، فضلا عن التسلل بذكاء إلى منطقة الجزاء والتحول إلى تهديد هجومي متقدم.
ومثل إليوت أندرسون، وإن كان ذلك منذ فترة لم تعد تدخل ضمن حسابات سوق الانتقالات الحالية، يمثل فرنانديز نموذجا للجيل الجديد من لاعبي الوسط في الدوري الإنكليزي الممتاز، أولئك القادرين على القيام بكل شيء تقريبا، من دون أن يشكلوا في الوقت ذاته مخاطرة كبيرة أو ثغرة دفاعية واضحة.
وربما تكون هذه هي الطريقة الوحيدة لتفسير المبلغ الضخم الذي دفعه مانشستر سيتي لتشيلسي، في صفقة كان الأخير فيها المنافس الواقعي الوحيد. فأنجيلو ستيلر، لاعب وسط شتوتغارت المشابه له في العمر، كان من الممكن التعاقد معه مقابل نصف السعر، لكن فرنانديز يملك أفضلية مهمة: الخبرة.
فهو لاعب مخضرم، أثبت قدرته في الدوري الإنكليزي الممتاز، ومعروف جيدا لدى الأندية والجماهير. وأيا كانت عيوبه، فقد جرى احتسابها ضمن السعر.
وإذا كان هناك عنوان واحد يمكن أن يلخص سوق الانتقالات الصيفية لعام 2026، فهو "ضريبة باركليز": تلك الزيادة الكبيرة في أسعار اللاعبين الذين تأقلموا بالفعل مع الدوري الإنكليزي الممتاز، وخاضوا منافساته، وحققوا النجاح فيه، وأثبتوا قدرتهم على التعامل مع متطلباته التكتيكية.
ضم مانشستر يونايتد أندريه سانتوس، وكارلوس باليبا، ويوري تيليمانس في صيف هادئ نسبيا، بينما أنفق توتنهام 92.5 مليون جنيه إسترليني للتعاقد مع ساندرو تونالي، و85 مليون جنيه إسترليني لضم ماتيوس فرنانديز.
وفي هذا السياق، تبدو صفقة أرسنال للتعاقد مع برونو غيمارايش مقابل 75 مليون جنيه إسترليني وكأنها صفقة زهيدة الثمن.
ومع ذلك، كانت هذه الأرقام ستثير دهشة كبيرة في أي صيف آخر من سوق الانتقالات الإنكليزي، وكانت ستبرر على الأقل بوجود نجوم لامعين، ولاعبين استثنائيين، أو عناصر تمثل القطعة المفقودة في أحجية فريق كبير.
لكن، مع كامل الاحترام، هل يمتلك أي من لاعبي الوسط الذين تعاقدت معهم أندية الدوري الإنكليزي الممتاز هذا الصيف تلك المكانة؟ هل يوجد لاعب يمكن وضعه فعليا في مقارنة مع باتريك فييرا، وروي كين، وفرانك لامبارد، وستيفن جيرارد، وكيفن دي بروين، ونغولو كانتي؟
المفارقة أن أغلى جيل من لاعبي الوسط في تاريخ الدوري الإنكليزي الممتاز يبدو، في الوقت نفسه، واحدا من أكثر الأجيال تواضعا من حيث الجودة الاستثنائية.
ففي الدوري الإنكليزي الممتاز، لا نجد سوى ديكلان رايس، ومويسيس كايسيدو، وبرونو فرنانديز، وربما لاعب أو اثنين آخرين يمكن وضعهم في هذه الفئة. صحيح أن إنزو لاعب جيد، وأن ماتيوس يملك إمكانيات واعدة، وأن باليبا قدم مستويات رائعة، لكن لفترات قصيرة للغاية.
وبالنسبة إلى دوري يعد الأغنى والأكثر جذبا في العالم بلا منازع، فإن غياب المواهب الاستثنائية في خط الوسط لا يبدو مجرد حالة عابرة، بل خللا قد يتفاقم ويتحول إلى مشكلة مزمنة.
ترجمة صحيفة "السبورت" الالكترونية
صحيح أن القوة البدنية أصبحت عنصرا مهما في تكوين لاعب الوسط الحديث، لكنها ليست العامل الوحيد. بالنسبة إلى المسؤولين التنفيذيين في الأندية، يمنح التعاقد مع لاعب معروف شعورا ثمينا بالأمان، لأن ضم اسم مألوف مقابل مبلغ ضخم يعني مخاطرة أقل على مستوى السمعة.
فعندما ينفق أرسنال 72 مليون جنيه إسترليني للتعاقد مع نيكولاس بيبي ولا تنجح الصفقة، ينظر إلى الأمر باعتباره خطأ تتحمل الإدارة مسؤوليته. لكن عندما ينفق مانشستر سيتي 100 مليون جنيه إسترليني على جاك غريليش ولا يحقق اللاعب النجاح المنتظر، يميل اللوم، بطريقة أو بأخرى، إلى الوقوع على اللاعب نفسه.
وينطبق الأمر ذاته على لاعبين مثل أندرسون، أو فرنانديز، أو مورغان روجرز. هؤلاء لم يثبتوا بعد أنهم يستحقون بالضرورة الأسعار التي دفعت من أجلهم، لكن في حال فشلهم سيكون من السهل تحميلهم مسؤولية ذلك، وهو ما يبدو في حسابات مجالس الإدارات قريبا من النتيجة نفسها.
وهكذا يتحول الدوري الإنكليزي الممتاز إلى حلقة مفرغة من التغذية الراجعة، أو إلى سباق تسلح لا يتعلق دائما بالتعاقد مع اللاعب الأفضل مقابل السعر المناسب، بل بمواكبة السوق وركوب موجاته.
بل إن السوق يكافئ هذا السلوك أحيانا. يضم تشيلسي أليخاندرو غارناتشو، ورغم أنه لا يقدم مردودا يذكر، فقد يتمكن النادي لاحقا من بيعه إلى أستون فيلا وتحقيق ربح بسيط.
فما الذي يمكن أن يمنع الأندية من مواصلة هذا النهج إلى ما لا نهاية؟
ربما لا شيء، ما دام الإنفاق الضخم لا يزال ينظر إليه بوصفه دليلا على الطموح، وما دام السوق قادرا على تحويل القرارات السيئة إلى أصول قابلة لإعادة البيع.
"ترجمة صحيفة "السبورت الالكترونية